الشعراء

ابو الشيص

 

خَلَعَ الصِبا عَن مَنكبَيهِ مَشيب    **     فَطَوى الذَوائب رأَسهُ المَخضوبُ

نَشَرَ البِلى في عارِضيَهِ عَقارِباً     **    بيضاً لَهُنَّ عَلى القُرونِ دَبيبُ

ما كانَ أَنضَرَ عيشَهُ وأَغضَّهُ    **     أَيام فَضلُ رِدائِهِ مَسحوبُ

 .

 

لكُلِّ امريءٍ رِزقٌ ولِلرّزقِ جالِبُ     **    وَليسَ يَفوتُ المَرءُ ما خطَّ كاتِبُه

يُساق إِلى ذا رِزقُهُ وَهوَ وادِعٌ     **    ويُحرَمُ هَذا الرِزقَ وَهوَ يُطالِبُهُ

يَقولُ الفَتى ثمَّرتُ مالي وإِنَّما    **     لِوارثِهِ ما ثَمّر المال كاسِبُهُ

يُحاسِبُ فيهِ نَفسه بِحياتهِ     **    وَيَتركهُ نهباً لِمَن لا يُحاسِبُهُ

يَخيبُ الفَتى مِن حَيثُ يُرزَقُ غَيرهُ     **    ويُعطى الفَتى مِن حَيتُ يُحرم صاحِبُه

 .

 

مَرَت عَينَهُ للشوقِ فالدَمعُ مُنسَكِب    **     طُلولُ ديارِ الحَيِّ والحيُّ مُغتَرِب

كَسا الدَهرُ بُردَيها البِلى وَلَرُبَّما    **     لبِسنا جَديديها وأَعلامُنا قُشُب

فَغَّيَرَ مَغناها وَمحَّت رسومَها     **    سَماءٌ وأَرواحٌ وَدَهرٌ لَها عَقَب

تَربّعَ في أَطلالِها بَعدَ أَهلِها     **    زَمانٌ يُشِتُّ الشَملَ في صَرفهِ عجب

تَبدَّلَتِ الظُلمان بَعدَ أَنيسِها     **    وسوداً مِنَ الغِربانِ تَبكي وَتَنتَحِب

وَعَهدي بِها غَنَّاء مُخضَرَّةُ الرُبى     **    يَطيبُ الهَوى فيها ويُستَحسنُ اللَعِب

وَفي عَرصاتِ الحيِّ أَظبٍ كأَنَّها     **    مَوائِدُ أَغصانٍ تأَوّدُ في كُثُب

عَواتِقُ قَد صانَ النَعيمُ وجوهَها    **     وَخَفَّرَها خَفرُ الحَواضِنِ والحُجُب

عَفائِفُ لَم يَكشِفنَ سِتراً لِغَدرَةٍ     **    وَلَم تَنتِحِ الأَطرافُ مِنهُنَّ بالرِيَب

فأَدرَجهم طيُّ الجَديدَينِ فانطَوَوا      **   كَذاكَ انصِداع الشَعبِ ينأى وَيَقتَرِب

وَكأَسٍ كَسا الساقي لَنا بَعدَ هَجعَةٍ     **    حَواشيَها ما مَجَّ مِن رِيقِهِ العِنَب

كُميت أَجادَت جمرَةُ الصَيف طَبخَها    **     فآبَت بِلا نار تُحَشُّ وَلا حَطَب

لَطيمة مِسك فُتَّ عَنها خِتامُها    **     مُعتَّقَة صَهباءُ حيريَّة النَسَب

رَبيبةُ أَحقابٍ جَلا الدَهرُ وَجهَها    **     فَليسَ بِها إِلا تلأَلؤَها نَدَب

 .

 

لَو كنتُ أَملكُ أَن أُفارِقَ مُهجَتي    **     لَجَعَلتُ ناظِرها عَليكِ رَقيبا

حَذَراً عَليك وإِنّني بِكِ واثِقٌ     **    أَن لا ينال سوايَ مِنكِ نَصيبا

 .

 

وَقائلَةٍ وَقَد بَصُرَت بِدَمعٍ     **    عَلى الخدَين مُنحَدرٍ سكوبِ

أَتَكذِبُ في البُكاء وأَنت خِلوٌ     **    قَديماً ما جَسَرتَ عَلى الذُنوبِ

قَميصك والدُموع تَجول فيهِ     **    وَقلبكَ لَيسَ بِالقَلبِ الكَئيب

نَظير قَميص يوسُفَ حينَ جاؤوا     **    عَلى أَلبابهِ بِدمٍ كَذوب

فَقُلتُ لَها فِداكِ أَبي وأُمي    **     رَجمتِ بِسوء ظَنّكِ في الغُيوبِ

أَما واللَهِ لَو فتَّشتِ قَلبي   **      بِسرّكِ بالعويل وَبالنَحيب

دُموعُ العاشِقينَ إِذا تلاقوا    **     بِظَهر الغَيب أَلسِنةُ القُلوب

.

 

جَلا الصبُّحُ أَونيّ الكَرى عَن جفونهِ     **    وَفي صَدرهِ مِثلُ السِهامِ القَواصِدِ

تَمكَّنَ مِن غِرّاتِهِ الحُبُّ فانتَحى    **     عَليهِ بأَيدٍ أَيّدات حَواشِدِ

إِذا خَطَراتُ الشَوقِ قَلَّبنَ قَلبه     **    شَدَدنَ بأَنفاس شداد المَصاعِدِ

يُذَكِّرهُ خَفضُ الهَوى وَنَعيمُه     **    سَوالِفَ أَيامٍ وَليسَ بِعائدِ

 .

 

قُل لِلطّويلَةِ مَوضع العِقد    **     وَلَطيفة الأَحشاءِ والكَبدِ

أَلا وَقَفتِ عَلى مَدامِعِهِ     **    فَنَظَرتِ ما يَعملنَ في الخدِ

لَولا التَمَنطُق والسوار مَعاً     **    والحِجلُ والدُملوج في العَضدِ

لَتَزايَلَت مِن كُلِّ ناحية     **    لَكن جُعِلن لَها عَلى عَمدِ

جاءَت إِلى عينَيكِ وجنتُها    **     في خَلعة الخَيريَّ والوَردِ

 .

 

تطاول في بَغداد ليلي ومن يَبت    **     بِبغداد يَلبث لَيلَه غير راقد

بِلادٌ إِذا زالَ النَهارُ تَقافَزَت     **    بَراغيثُها ما بينَ مثنى وواحد

ديازجة شهب البُطونِ كأَنَّها     **    بِغالُ بَريد أَرسلت في المذاود

 .

 

ضَعِ السِرَّ في صمّاء لَيسَت بِصَخرة    **     صَلود كَما عايَنت مِن سائرِ الصَخر

وَلَكِنَّها قَلبُ امرىءٍ ذي حَفيظَة     **    تَرى ضَيعة الأَسرار قاصِمةَ الظَهر

يَموتُ وَما ماتَت كَرائم فِعلِه     **    وَيُبلى وَما يُبلى ثَناهُ عَلى الدَهرِ

فَذاكَ وَلا صمّاءُ مَن رامَ كسرها    **     بِمعوله ذَلَّت بِكفَّيه للكسر

  .

 

يا دارُ مالكِ لَيسَ فيكِ أَنيسُ     **    إِلا معالم آيُهُنَّ دُروسُ

الدَهرُ غالَكِ أَم عَراك مِن البَلى    **     بَعدَ النَعيم خُشونَةٌ ويُبوسُ

ما كانَ أَخصَبَ عَيشِنا بك مرَّة    **     أَيامَ ربعُك آهِلٌ مأنوسُ

فَسقاكِ يا دارُ البَلى مُتَجرّفٌ     **    فيهِ الرَواعِدُ والبروقُ هَجوسُ

دار جلا عنها النَعيم فرَبعها     **    خَلقٌ تَمرُّ بِهِ الرياح يَبيسُ

طَلَلٌ مَحت آيُ السَماء رسومَه     **    فَكأَنَّ باقي مَحوهنَّ دروسُ

ما استَحلَبَت عَينيك إِلا دِمّنة     **    ومَخرَّبٌ عَنهُ الشَرى مَنكوسُ

وَمَخيَّسٌ في الدارِ يَندبُ أَهلَهُ      **   رَثُّ القِلادة في الترابِ دَسيسُ

أَنِسَ الوحوشُ بِها فَليسَ بِربعها    **     إِلا النَعامُ تَرودُه وَتجوس

رَبعٌ تَربَّعُ في جوانِبهِ البَلى     **    وَعفَت مَعالمُهُ فَهُنَّ طموسُ

يَدعو الصَدى في جَوفِهِ فيُجيبُهُ    **     رُبدُ النَعامِ كأَنَّهُنَّ قُسوسُ

وَلَربّما جَرَّ الصَبّا لي ذَيلَهُ     **    فيهِ وَفيهِ مأَلَفٌ وأَنيسُ

مِن كُلِّ ضامِرة الحَشا مَهضومَة    **     لِحبالِها بِحبالِنا تَلبيسُ

مُتَستّرات بِالحياء لَوابِسٌ     **    حُلَل العَفاف عَن الفواحِش شوسُ

 .

 

أَبقى الزمانُ بِهِ ندوبَ عِضاض    **     وَرمى سوادَ قُرونهِ ببياضِ

نَفَرت بِهِ كأَسُ النَديم وأَغمَضت    **     عَنهُ الكواعِبُ أيّما إِغماض

وَلَرُبَما جُعلت محاسنُ وَجههِ     **    لِجفونِها غَرضاً مِنَ الأغراضِ

حسَرَ المشيبُ قِناعه عَن رأَسهِ    **     فَرَمَينَه بالصَدِّ والإِعراضِ

إِثنانِ لا تَصبوا النساءُ إِليهما     **    ذو شيبَة وَمُحالِفُ الإِنفاضِ

فَوَعودهنَّ إِذا وَعَدنَكَ باطلٌ     **    وَبُروقُهُنَّ كَواذِبُ الإِيماضِ

لا تُنكري صَدّي وَلا إِعرضي    **     لَيسَ المقلِ عَلى الزمانِ بِراضِ

حُلّي عِقالَ مطيَّتي لا عَن قليً     **    وامضي فإِني يا أُميمة ماضِ

عُوِّضتُ عن بُردِ الشباب مُلاءَةً     **    خَلَقاً وَبِئسَ معوضَة المُعتاضِ

أَيام أَفراسُ الشباب جوامحٌ    **     تأَبى أَعنَّتها عَلى الرُواضِ

وَركائبٍ صَرفَت إِليكَ وجوهَها    **     نَكباتُ دَهرٍ لِلفَتى عضَّاضِ

شَدّوا بأَعواد الرِحال مَطيَّهُم     **    مِن كلّ أَهوجَ لِلحصى رَضّاض

يَرمينَ بالمرءِ الطَريقَ وتارةً     **    يَحذِفنَ وَجهَ الأَرضِ بالرَضراضِ

قَطَعوا إِليكَ رياضَ كُلِّ تَنوفَةٍ     **    وَمَهامه مُلسِ المتونِ عِراضِ